فارس العدني
لم يكن سقوط صنعاء في سبتمبر 2014 حدثًا عابرًا في سياق الصراع اليمني، بل نقطة تحوّل كشفت ما ظلّ يتراكم تحت الرماد لعقود طويلة. فقد أظهر ذلك الانهيار السريع للدولة والجيش كيف يمكن للموروث التاريخي والذهنيات القديمة أن تنتصر على منطق الدولة ومؤسساتها، وأن تصنع لحظة انهيار كبرى بمجرد أن يتحرك لاعبٌ واحد يمتلك القدرة على استدعاء عقد التاريخ والخوف من الآخر.
فعلى خلاف ما حاول البعض تقديمه، لم يكن الانحياز السريع الذي ظهر من شرائح واسعة في الشمال انتصارًا للمذهب الزيدي بقدر ما كان ارتدادًا سياسيًا وهوياتيًا أمام احتمال انتقال السلطة إلى فضاءات شافعية واسعة كانت تتهيأ للعب دور أكبر بعد ثورة 2011 ومؤتمر الحوار الوطني وصعود الرئيس عبدربه منصور هادي. هذا التخوف لم يكن دينيًا في جوهره، بل سياسيًا واجتماعيًا مرتبطًا بتوازنات القوة التي حكمت اليمن لقرون، حيث احتفظت “الهاشمية السياسية” بمركز السلطة في مناطق الزيدية التاريخية، واعتبرت أن انتقال الحكم إلى الوسط أو الجنوب تهديد لامتياز متجذّر أكثر مما هو انتقال طبيعي في دورة السياسة.
الحوثي فهم هذه العقدة واستثمر فيها بدقة. فعندما تقدّم من صعدة نحو عمران ثم صنعاء، لم يتحرك معه الزيديون مذهبيًا، بل تحركت خلفه بيئة شعرت أن وجوده — رغم تطرفه — أقل خطرًا من صعود التيار الشافعي الذي بدا أقرب إلى السلطة من أي وقت مضى. لم يكن الاصطفاف إذًا حبًا في الحوثي ولا اقتناعًا بمشروعه المسلح، بل تجسيدًا لقاعدة سياسية قديمة تقول إن “الامتياز التاريخي أولى بالدفاع من الدولة نفسها”.
وفي المقابل، عاشت القوى السياسية التي كانت تمثل المجال الشافعي — وخاصة في تعز والوسط — لحظة خذلان كبيرة، حين وجدت أن المؤسسة العسكرية التي وُصفت لعقود بأنها “جيش الدولة” تتفكك عند أول اختبار حقيقي، وأن القيادات العسكرية والسياسية التي كانت تتغنى بالدولة المدنية اكتشفت أنها بنَت سلطتها فوق رمال متحركة.
لقد سقطت صنعاء لأن التحالف بين علي عبدالله صالح والحوثيين استند إلى قاعدة اجتماعية ترى في التغيير خطرًا على بنية السلطة القديمة. وسقطت لأن الدولة لم تُبنَ فعليًا على ولاءات وطنية، بل على توازنات شخصية ومناطقية ومذهبية تشظّت عندما تغيرت الظروف. وسقطت لأن بعض القوى ظنت أن عودة “المركز التاريخي” للحكم، ولو عبر مليشيا، أفضل من انتقاله إلى هوية أخرى داخل اليمن ذاته.
إن ما جرى في 2014 لم يكن صراعًا بين زيدي وشافعي، بل صراعًا بين رؤية تريد دولة حديثة، ورواسب تاريخية رفضت مغادرة المسرح. وما لم يخرج اليمنيون من أسر هذه العقدة، ستبقى بوابات صنعاء مفتوحة لأي مشروع يعيد تدوير الماضي، مهما حمل من شعارات جديدة.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب، يدرك اليمنيون أن سقوط العاصمة لم يكن مجرد خيانة عسكرية ولا انقلابًا سياسيًا فحسب، بل لحظة تواطؤ عميقة بين موروثٍ يخاف من التغيير، ومليشيا مسلحة استغلت ذلك الخوف لتصعد فوق أنقاض الدولة. تلك اللحظة هي ما يجب تفكيكه إذا أراد اليمن الخروج من دائرة الصراع إلى دولة يسودها القانون لا السلالة، المواطنة لا الامتياز، والهوية الوطنية لا هويات الماضي.


