بقلم: فارس العدني
أثبتت تطورات المشهد اليمني في الآونة الأخيرة، وما رافقها من تصدّعات عميقة بين الشركاء، وصولًا إلى القطيعة والمواجهات العسكرية الميدانية، أن ما كان يُنظر إليه يومًا بوصفه “خيارًا خلافيًا” لم يكن في حقيقته سوى رؤية استشرافية ناضجة حملها فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، ودافع عنها باعتبارها المدخل الحقيقي لبناء دولة عادلة ومستقرة.
لقد قام مشروع الرئيس هادي على فكرة جوهرية مفادها أن المركزية المطلقة لم تكن يومًا ضمانة للوحدة، بل كانت أحد أهم أسباب التفكك والصراع، وأن بناء اليمن اتحادي متعدد الأقاليم، قائم على الشراكة والعدالة وتوزيع السلطة والثروة، هو الخيار الواقعي الوحيد لإنهاء دورات الصراع المتكررة.
هذا المشروع لم يكن طرحًا نظريًا أو مناورة سياسية، بل التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا تحمّل الرئيس هادي كلفته كاملة. فقد واجه ضغوطًا داخلية وخارجية، واعتراضات من شركاء في السلطة، ومغريات سياسية للانحراف عن المسار، لكنه ظل متمسكًا بخياره، مدفوعًا بإيمان صادق بالأمانة الوطنية والمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه.
وحتى في لحظة خروجه من المشهد التنفيذي، وقبل يوم واحد من نقل صلاحياته، حرص الرئيس هادي على توجيه رسالة واضحة في خطابه ولقاءاته مع القيادات اليمنية، مؤكدًا ثبات نهجه، ومجدّدًا قناعته بأن الدولة الاتحادية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار ومنع عودة الاستبداد أو تفكك الدولة.
في المقابل، شهدت المرحلة اللاحقة اصطفافات جديدة، وقرارات اتُخذت تحت ضغط الواقع أو بدافع البحث عن حلول سريعة، ظنّ أصحابها – وربما بحسن نية – أنها ستقود إلى احتواء الأزمة. غير أن تجربة السنوات الأربع الماضية كشفت بوضوح أن تلك الخيارات لم تُنتج استقرارًا، بل راكمت أزمات جديدة، ودفعت البلاد إلى حالة من الانسداد السياسي والأمني.
واليوم، مع عودة التوترات بين شركاء الأمس، وانفجار المواجهات في الميدان، تتبدّد أوهام “التسويات المؤقتة”، ويعود الجميع إلى مربع الصفر، ليدفعوا ثمن قرارات لم تُبنَ على رؤية وطنية جامعة، بل على حسابات آنية قصيرة النظر.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع بين أطراف، بل شهادة سياسية متأخرة على سلامة أطروحة الرئيس هادي، وصواب رؤيته التي انطلقت من ضمير حي، وإدراك عميق لتعقيدات المجتمع اليمني، وحاجة البلاد إلى صيغة حكم تمنع الهيمنة، وتكفل الشراكة، وتحمي الدولة من التفكك.
قد لا يُنصف التاريخ رجاله في لحظتهم، لكن الوقائع غالبًا ما تتكفّل بإعادة الاعتبار. وما تشهده الساحة اليوم يؤكد أن مشروع الدولة الاتحادية لم يكن خيارًا مؤجلًا، بل فرصة أُهدرت، وأن العودة إلى جوهره، لا القفز عليه، تظل السبيل الوحيد لإنقاذ اليمن من إعادة إنتاج أزماته، مرة بعد اخرى.


