فارس العدني
في اللحظات التي تواجه فيها الدول تهديدات وجودية، يصبح الإعلام جزءًا من منظومة الأمن الوطني، لا مجرد منصة لنقل الأخبار أو إعادة بث التصريحات. ولهذا يثير الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية في تغطية المواقف الإيرانية تساؤلات حقيقية لدى كثير من المتابعين في الخليج والمنطقة العربية.
فالقناة، في كثير من تغطياتها، تمنح مساحة واسعة لتصريحات القيادات الإيرانية، تُعرض أحيانًا في سياق يبدو أقرب إلى تفسير مواقف طهران أو تقديمها بوصفها ردود فعل مبررة، بدلاً من وضعها في إطارها الحقيقي كسياسات توسعية وتصعيدية تهدد استقرار المنطقة. المشكلة هنا ليست في نقل التصريحات بحد ذاته، فالإعلام بطبيعته ينقل المواقف المختلفة، لكن الإشكال يكمن في طريقة التقديم والسياق الذي تُوضع فيه هذه التصريحات.
المفارقة اللافتة أن هذا الخطاب الإعلامي يأتي في وقت أصبحت فيه دول الخليج، بما فيها قطر، ضمن دائرة التهديدات الإيرانية المباشرة. فالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها طهران أو أذرعها في المنطقة لا تميز بين دولة وأخرى عندما يتعلق الأمر بإرسال الرسائل السياسية والعسكرية. ومع ذلك، يبدو أن بعض الخطابات الإعلامية ما زالت تتعامل مع إيران وكأنها طرف بعيد عن هذا المشهد، أو كأن تهديداتها مجرد جزء من لعبة سياسية يمكن تفسيرها أو التخفيف من وقعها.
هنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام قصور في قراءة التحولات الاستراتيجية في المنطقة؟ أم أن بعض المؤسسات الإعلامية ما زالت أسيرة لسياسات وخيارات تحريرية قديمة تشكلت في سياقات مختلفة، ولم تخضع بعد للمراجعة الضرورية التي تفرضها المتغيرات الحالية؟
فمن الواضح أن المنطقة تعيش مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها إيران تخفي طموحاتها الإقليمية أو أدواتها العسكرية والسياسية في فرض النفوذ. بل إن الوقائع الميدانية خلال السنوات الأخيرة، من استهداف منشآت مدنية في الخليج إلى توسيع نفوذ الميليشيات المرتبطة بها في عدة عواصم عربية، تؤكد أن التهديد لم يعد نظريًا أو بعيدًا، بل أصبح واقعًا ملموسًا.
وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن ينتظر الرأي العام العربي من الإعلام الإقليمي قراءة أكثر وضوحًا وصلابة لطبيعة هذا التحدي. ليس المطلوب خطابًا تحريضيًا أو دعائيًا، بل حدًا أدنى من الاتساق مع الحقائق السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.
إن الإعلام الذي يتأخر عن إدراك التحولات الكبرى يفقد تدريجيًا قدرته على التأثير والمصداقية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية الكبرى، ومنها الجزيرة، ليس فقط في نقل الأخبار، بل في مواكبة التحولات الاستراتيجية التي تعيد رسم خريطة التهديدات في المنطقة.
فالواقع يقول إن إيران لم تعد مجرد لاعب إقليمي مثير للجدل، بل أصبحت طرفًا في معادلة صراع مفتوح مع كثير من دول المنطقة. وأي خطاب إعلامي يتجاهل هذه الحقيقة أو يحاول تلطيفها، إنما يخاطر بأن يبدو منفصلًا عن واقع يتغير بسرعة، وربما يتجاوز الاعلام نفسه.


