في صباح يومٍ من أيام اليمن، حيث تتنفس الجبال عبق التاريخ، وتروي الحارات أسرار الأمس، عاش رجل لم يكن كغيره من الرجال. عاش "ابن خزانة" — ذلك الاسم الذي حملَه بفخر، كأنما يخبر العالم أن أصله ليس مجرد نسب، بل قصة.
كانوا يقولون عنه: "هذا رئيسنا"، لكنه لم يكن رئيسًا بالمعنى الذي تعرفه السلطة، كان رئيسًا في قلوب الفقراء قبل أن يكون في كرسي الحكم.
كان الفلاحون يرون فيه أخًا لهم، والفقراء يرون فيه من يرفع رأسهم إذا ما انحنت بهم الأيام.
لم يُشَيَّدْ له قصرٌ يليق بمنصبه، ولم تُرْصَفْ أمام بيته خرساناتٌ كتلك التي يعرفها الحكام، كان بيته بسيطًا، كبيوت الفلاحين الذين أحبهم، وكبيوت الفقراء الذين آووهم في قلبه قبل أن يؤويهم في بيته.
وفي يوم رحيله — ذاك اليوم الذي خُتمت فيه حكاية الأرض بحكاية السماء — لم يخرج خلف نعشه موكبٌ من السيارات الفارهة، ولم تُنصب له سرادقات الذهب، خرج خلفه الفقراء الذين كانوا عائلته، والفلاحون الذين كانوا إخوته، والدموع التي لم تكن تليق إلا برجل عاش متواضعًا ورحل عظيمًا.
كانت أمه تاجه الذي لا ينزع، يراها بعين التبجيل فيضعها على هامته في كل خطوة، وكان يفتخر بها حين تزوره، يحدث الناس عنها كما يحدث العاشق عن معشوقته.
يقولون إنه لم يخزِه دعاء أحد قط، خاصة دعاء الفقراء، لأنه كان يعلم أن خزينة الله لا تنفد، وأن كنز الرجال الحقيقي ليس ما تجمعه الأيدي، بل ما تزرعه القلوب.
رحمك الله يا ابن خزانة، رحمك الله في مقامك الجديد، حيث لا فقر ولا غنى، حيث تُوزن الأمور بميزان غير ما نعرف.
سيبقى اسمك محفورًا في قلوب الفقراء الذين كانوا أهلك، وفي ذاكرة الفلاحين الذين كانوا رفاق دربك.
لن أعترف برئيس من قبلك ولا من بعدك؛ لأن الرئاسة الحقيقية — كما علمتنا — ليست في القصور، بل في القلوب.
هكذا كان ابن خزانة: شهيد الفقراء والبسطاء، الذي لم يُشَيِّدْ قصرًا فوق الأرض، فبنى له الله قصرًا في القلوب.
بقلم/ نبيل سعد سعيد


