فارس العدني
يُعد الملف اليمني أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تداخلت فيه الأبعاد المحلية مع الطموحات الإقليمية والتوازنات الدولية. واليوم، مع تسارع وتيرة الأحداث يجد اليمن نفسه ليس فقط كساحة صراع داخلي، بل كمركز ثقل في معادلة الأمن القومي العالمي. هذا المقال يحلل أين يتجه اليمن في ظل هذه المتغيرات المتسارعة.
تموضع اليمن في الاستراتيجية الدولية الجديدة
لم يعد الحديث عن اليمن مقتصرًا على الأزمة الإنسانية أو الحرب الأهلية التقليدية. لقد أدى انخراط جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في استهداف خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب إلى إعادة صياغة النظرة الدولية لليمن. انتقل الاهتمام الدولي من محاولة إيجاد صيغة تقاسم سلطة بين الأطراف المحلية إلى البحث عن استراتيجيات لتأمين تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
هذا التحول الجيوسياسي يعني أن أي تسوية مستقبلية لن تكون مرهونة فقط بتوافق القوى اليمنية، بل بمدى ضمان أمن الممرات المائية. لقد أصبحت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، تنظر إلى اليمن كحلقة وصل حرجة؛ حيث تسعى واشنطن لعسكرة المنطقة لحماية الملاحة، بينما تراقب بكين مصالحها التجارية عبر "طريق الحرير" البحري، مما يجعل القرار السيادي اليمني عرضة لمزيد من التجاذبات الدولية والضغوط الخارجية التي قد تفوق قدرة الفاعلين المحليين على المناورة.
سيناريوهات المستقبل: بين الجمود والتحول
يمكن استشراف ثلاثة مسارات أساسية لمستقبل اليمن في ظل الوضع الراهن:
1. سيناريو "اللاحرب واللاسلم" المستدام: هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب والمتوسط. يتميز هذا المسار ببقاء خطوط التماس العسكرية جامدة، مع استمرار الانقسام المؤسسي والمالي. وفي ظل انشغال القوى الإقليمية بملفات أخرى، قد يظل اليمن في حالة "جمود" تمنع الانهيار الشامل لكنها لا تقدم حلولاً جذرية. هذا الوضع يفاقم معاناة المواطنين ويؤدي إلى تآكل ما تبقى من بنية تحتية، ويحول البلاد إلى بيئة خصبة لنمو اقتصاديات الحرب.
2. سيناريو التشظي والكنتونات: مع غياب رؤية وطنية جامعة وتنامي الهويات الفرعية (المناطقية والمذهبية)، يتجه اليمن نحو "التقسيم الواقعي" دون إعلان رسمي. بروز كيانات سياسية وعسكرية قوية في الشمال والجنوب والشرق، يجعل من الصعب العودة إلى نموذج الدولة المركزية الواحدة. هذا المسار قد يدفع نحو صيغة كونفيدرالية فضفاضة أو حتى انفصال مقنّع، حيث تسيطر كل قوة على مواردها الجغرافية بشكل مستقل.
3. سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل: إذا خرجت المواجهة بين المحور الإيراني والقوى الغربية عن السيطرة، فإن اليمن سيتحول إلى منصة انطلاق رئيسية للصراع، مما قد يؤدي إلى عودة العمليات العسكرية الكبرى وتدمير فرص السلام الضئيلة المتبقية.
المعضلة الاقتصادية: القنبلة الموقوتة
بعيداً عن السياسة، يواجه اليمن كارثة اقتصادية تتمثل في انقسام البنك المركزي وتوقف صادرات النفط والغاز. هذا الانقسام أدى إلى تباين حاد في قيمة العملة وتوقف صرف الرواتب، مما خلق فجوة اجتماعية هائلة. إن "مآلات اليمن" مرتبطة بشكل وثيق بقدرة الأطراف على توحيد الملف الاقتصادي؛ فبدون استقرار مالي، سيظل أي اتفاق سياسي هشاً وغير قابل للاستمرار.
واخيراً نحو عقد اجتماعي جديد
إن اليمن لا يتجه نحو حل سريع، بل هو في خضم عملية إعادة تشكيل تاريخية. الاستقرار الحقيقي يتطلب التخلي عن عقلية الإقصاء والاعتراف بالتعددية الجغرافية من خلال عقد اجتماعي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة. إن طريق السلام في اليمن طويل، ويمر حتماً عبر تهدئة التوترات الإقليمية وتغليب مصلحة الإنسان اليمني على الحسابات الجيوسياسية الضيقة.


