سام الغُباري
كلما قرأتُ الذين يشتمون رئيسًا مات في الثمانين، أكاد أُصدّق بعض ما يأتينا من قراءات بعيدة تقول إن بني إسرائيل كانت قبيلة اليمن الأولى؛ كان لهم موسى عليه السلام، وكان لهم ربهم، وقد أراهم فلق البحر، ونتق فوقهم الجبل ظُلّة، ثم ما إن أغواهم السامري حتى ذهبوا إليه بلا تردد، كأن المعجزة لا تكفي، وكأن العين ترى ثم تُنكر ما رأت.
يتحدثون عن دم الحسين، وكان عليهم أن يبدأوا من الدم الأول الذي انفرط منه العقد: من دم عثمان، من الحصار الجائر على بابه، ومن الكلمات التي رُميت عليه كالحجارة، وعلى سيرته وشؤونه وخلافته. هناك، عند تلك العتبة، انكسرت هيبة الدولة أول مرة. وحين سقطت في ظل صمت كبار الصحابة، لم تلبث السيوف أن وجدت طريقها إلى أعناقهم. ثم جاء من بعدهم أولياء لا يملكون ثأرًا، ولا يجدون قاتلًا يُشار إليه بإصبع الاتهام. غابت الجريمة كفعل، وبقيت الفتنة كقدر؛ وصمة لا تزول، ونارًا تتوارثها الأيدي، وجمرًا تمشي عليه الأجيال حافية.
ولو كنتُ وليًا على أمر تعليم الناس وتدريبهم، لجعلتُ من الفتنة الكبرى منهاجًا قائمًا بذاته؛ ففيها خلاصة الملك حين يفسده الناس، وخلاصة الناس حين يختلفون، وخلاصة الدم حين يُراق أول مرة. فيها بداية كل مأساة، ونهاية كل تمرد، ووضوح كل مطمع. لكن الناس الذين لا يقرؤون لا يتدبرون، وإن تدبروا لا يتعظون، وإن وُعظوا عادوا إلى أخطائهم كما يعود الماء إلى مجراه.
وكان الأمر يمنيًا أيضًا في 2011. أسقط الثوار رئيسًا منتخبًا اسمه علي عبدالله صالح، ثم وقفوا على أنقاض ما أسقطوه مذهولين من الفراغ. حمل الرجل لمن بعده إرثًا هائجًا، كتلةً من الغضب والعطب والحمق السياسي تتلوّى في شوارع المدن كأفعى جريحة. فجأةً صار كل فرد يرى نفسه وزيرًا، ويرى اسمه ناقصًا من كشوف الدولة. ولمّا تشكلت الحكومة صاح الاستغراب من داخل كل واحد منهم: أين اسمي؟ أين مكاني؟ أين نصيبي من الثورة؟ فهاجوا أكثر، واشتعلوا أكثر، ووقف بعضهم في الوحل رافعًا ورقة كتب عليها: لن نرحل !، وهو نفسه الذي كان بالأمس يهتف للرحيل. وحين رحل من كانوا يطالبون برحيله، اكتشفوا أن البلاد أضيق من أحلامهم، وأن الوزارات ثلاثون فقط، بينما الطامحون بعدد شعب كامل.
ثم جاء عبدربه منصور هادي، إلى حقل نار. ورث ست حروب مفتوحة مع الحوثيين، ودولة مثقلة بالندوب، ومبادرة خليجية مكتوبة بقيود دقيقة، ورئيسًا سابقًا يزأر من خلف المشهد كجسد لم يغادره الغضب المحترق. وقيل له منذ اللحظة الأولى: تحرك. غيّر. اهدم. صفِّ الجيش العائلي. أعِد ترتيب البلاد. ففعل ما استطاع، وأخذ من الجميع، وكتب للجميع، وأصدر من القرارات ما يرضي من صعدوا به إلى السلطة ووقفوا خلفه، بينما كان يرى بعينيه كيف سقطت أنظمة عربية كاملة، وكيف سُحلت وجوه رموزها على الإسفلت، وكيف صار الملوك مادة لنشرات المساء.
تحمّل هادي كل ذلك، ثم قيل له إن الحوثي يزحف من الجبال، يجرّ خلفه خرابه وأساطيره وسلالته وتمائمه اللعينة، حتى بلغ الجوف، فيما كان ممثلوه في موفنبيك يتحدثون باسم السياسة بوجوه باردة وأصابع نظيفة. وفي قلب هذا المأزق الهائل، حاول هادي أن يجد مخرجًا لبلاد تتكاثر فيها العقد أكثر مما تتكاثر الحلول. نادى فريقه، ورفع مشروعه، ومضى به وسط دهاليز معقدة . كان يحمل جمرة في يده ويعبر بها حقل قشّ. يرى صنعاء المشكلة كلها، ويرى فيها العقدة والمفتاح معًا، وكان صادقًا إلى حد أربك الطامعين فيها والمالكين لها والوارثين سلطتها. وحين أراد أن يجعل السلطة حقًا موزعًا بين الناس والأقاليم، اجتمعوا عليه كما تجتمع القبضة على الرقبة. نفوه، وهو يحذرهم: ستقتلون بعضكم إن غادرتُ صنعاء. فلما غادرها، فعلوا.
ثم يأتي من المنفى يمني مهاجر، مستقر في بلاد بني الأصفر، يتحدث إلينا بلهجة مستشرق بارد من النرويج عن أخطاء هادي، وهو الذي لم يحتمل خشونة اليمن، ولا غبار طرقاتها، ولا صدام رجالها، فهرب منها إلى رفاهية الشمال البعيد، ثم عاد منها ليمنحنا درسًا في القيادة الرشيدة. والحقيقة أن كثيرًا ممن ينالون منه اليوم، بعد موته، لا يملكون مروءة الاختلاف مع رجل غاب. لأن آخر ما فعله هادي، حين رأى الأبواب كلها تُغلق، والناس يبتعدون، والرضا ينخفض، أنه قال بشجاعة نادرة: هذه استقالتي .. وهؤلاء الثمانية . ولعلهم يقدرون على ما لم أقدر عليه.
ثم انصرف بهدوء رجل أنهكه الطريق. عاد إلى أهله، وأغلق على نفسه بابه، ولم يبعثر خلفه ضجيجًا، ولم يرسل من يسخر ممن خلفوه، ولم يقف على التل شامتًا يسألهم: لماذا لم تحرروا صنعاء؟ لأنه كان يعرف. يعرف ثقل السياسة، ووجع القرار، ووحشة الرجل الأول حين يُترك وحيدًا أمام بلد ينهار، ونخب تتنازع، وساسة أسقطوا دولتهم بأيديهم ثم خرجوا يبحثون عنها في المنافي.
تذكروا جيدًا: عندما ابتلع الحوثي صنعاء، ورضخ الجميع تحت جزمته، كان هادي يرفض هذه القدم الملوثة. كتب استقالته، ووضعها داخل حذاء، ورماها إلى فناء مجلس النواب، الذي كان مقيدًا بالسلاسل حين أراد النواب المتبخترون العودة من بوابة السياسة. كان الحوثي قد أغلق عليهم باب السياسة، ووضعهم أمام الأمر الواقع، صائحًا فيهم: إنها ثورة أيها الحمقى.
وعندما كان أصغر حوثي يتجول برائحته النتنة في شوارع المدن، دون أن يجرؤ أكبر رأس على اعتراضه، كان هادي يفكر في تجديد دفاعاته. غادر إلى عدن، وقال كلمته الشهيرة عن صنعاء التي أحبها، وشعر فيها بالأمان بعد أن خلست عدن 86 جلده، إنه سوف يضرب بسيف السلم. ولم ينس الجنوب بعد ما حدث في يناير المشؤوم. توحدوا على الغزاة، نعم، لكنهم عادوا وتذكروا السلطة التي أطلت من العاصمة المؤقتة مرة أخرى، فاقتتلوا عليها، وتجاسروا على الرئيس الذي لولاه لما كان لأحد منهم شرعية المقاومة أصلًا.
لقد هاجرتُ وحيدًا، وبحثتُ عن الرئيس الذي انتخبتُه وبايعتُه أمام الله ونفسي. فقيل لي إنه يلعق جراحه في الرياض، ويعيد تكوين شرعية نظر إليها أغلب الحذرين بعين الريبة والجنون. وجلّ من كانوا يشككون في نجاحه كُثر لا تحصيهم الأرقام، وكان يُنظر إلى الذين آمنوا به بوصفهم مجرد مجانين مقامرين فقدوا رشدهم. سكنتُ أيامًا في هدوء الرياض وقيظها، وأخذتُ قميصًا باردًا، وربطة عنق استعرتُها من صديق كبير، وفردتي حذاء غاليتي الثمن، وذهبتُ إلى حيث يمكث هادي. صافحتُه، ولم أطلب منه شيئًا. فقط تفرستُ ملامحه، ولمستُ كتفيه اللتين قام عليهما يمن جديد، واجه بصلابة، وبكل التضحيات، جيشًا ضخمًا من علوج إيران في لبنان وطهران والعراق وسوريا وصعدة وصنعاء وحجة والمحويت وذمار، وقوى اليسار، ومتحاذقي القومية، والعروبيين الخونة، والأفاكين، والمرتزقة، والانفصاليين الذين لا يعرفون من هم، وما جنسيتهم حتى اليوم.
كان هادي فردًا، آمن به من آمن، وأخطأ وأصاب؛ فلم يكن نبيًا، ولا جاءه وحي، ولا أظلته غمامة، ولا كلّمه الله، ولا شفى المرضى، ولا قرأ الفنجان. قال لنا بكل صراحة ووضوح إن الحل في اليمن واحد: وصفها بأنها ممالك، وكل قبيلة مثل وجه الديك تتسابق على الصياح عند الفجر، وأن سلطة الناس يجب أن تهبط إلى أيديهم، وأن الأقاليم تنافسية، وأن "الصميل" في اليمن ليس مجديًا، فإنه جلّاب لفتن أعظم يسرح فيها الناس، وتدنو فيها القيم، ويكثر عندها الهرج والقتل والمرج.
أراد أن نرى ضوءًا في نهاية النفق الذي صرّح عنه شيخ يماني كبير، فسددنا عنه الماء والمجرى، ونبذناه في اليم، وعايرناه بالعيش في الفندق، وقد كان بيننا، في قصره الرئاسي، عجوزًا في السبعين. ونسينا أنه من داخل الفندق ذاته بنى لنا دولة أظلّت أشهر الساخرين منها، وحمت كل مفجوع من مشرفي الحوثي إليها. فكيف به لو أننا أتحنا له الفرصة كاملة، وقلنا له منذ اللحظة الأولى: سمعًا وطاعة؟ كلنا، تعني نحن جميعًا، من صعدة إلى المهرة، كما يجب أن يكون.
رحمك الله يا خير الرؤساء. وحفظ الله فخامة الرئيس د. رشاد العليمي


