خالد بو زيد
عُمري ثلاث سنوات، وأنا في الستين

سألوني كم عُمرك؟ فأجبت بلا تردد: "ثلاث سنوات". استغربوا كيف لإنسان في الستينيات من عمره أن يقول ذلك، خاصة وشعري كله أبيض.

   لكن تلك السنوات الثلاث التي عشتها في هنغاريا (المجر) كانت هي عُمري الحقيقي، وما قبلها وما بعدها مجرد سنوات عجاف.

   ثلاث سنوات.. دولة تحترم الإنسان في تلك الفترة، كنت طالباً في المجر. كانت سنوات الاستقرار والأمان الحقيقي.

   الدولة هناك كانت تؤدي واجبها دون نقصان: الراتب يصلك في موعده، بل ويكفي ويُوفّر.

   المستحقات تصل إلى حيثما أنت، والمسؤول يتعامل معك باحترام، وكأنه موظف عندك، يخاف الله في معاملته حتى لو اختلفت معه.

   ثلاث سنوات.. علم وخبرة وغربة حلوة تلقيت خلالها علوماً ومهارات لم أجدها لاحقاً في سوق العمل ببلادي.

   شعرت أن الغربة يمكن أن تكون حلوة، وليست مُرّة كما يصورونها. في زمن "التشطير" عشت مع إخواني من أبناء شمال الوطن، فكنا كالإخوة أكثر مما نحن عليه اليوم بعد الوحدة!

   ثلاث سنوات.. رعاية لم تعد تتكرر لا أنسى أن الدولة - ممثلة بالسفارة - أرسلت لي في السنة الثانية تذاكر سفر ذهاباً وإياباً لقضاء إجازة الصيف بين الأهل في عدن، كانت نظرة مختلفة لكرامة الإنسان واستقراره النفسي.                         

      °بداية السنوات العجاف.           في عام 1992م، عدت إلى اليمن. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة المعاناة التي تعرفونها جميعاً. راتبي الذي كان يحترم مواعيده وانا طالبًا في المجر، أصبح يتأخر وانا موظفًا في وطني منذ عشر سنوات، حتى سُحب مني سنة ونصف كاملة! "شلوها مع ام الجن" كما يقول المثل.

   ما أعيشه الآن - وما تعيشونه معي - هو قصة قلق وتعب ومعاناة يومية. حياة تختلف كل الاختلاف عن تلك "الحياة الكاملة" التي عشتها خلال ثلاث سنوات فقط.

  هذه ليست حكايتي وحدي، بل هي قصة جيل رأى الوطن يمر بأفضل أيامه في الخارج، ثم يعود ليجد قطار العُمر تمضي في صراع من أجل لقمة العيش وكرامة مفقودة.

   ثلاث سنوات في المجر علمتني معنى "الدولة" التي تحمي وتوفر وتحترم مواطنيها.

   أما السنوات التي تلتها، فما زالت تعلمني - وأبناء وطني - دروساً قاسية في الصبر، ونتمنى أن نرى ذات الاستقرار الذي عشناه في غربتنا، يعود إلى أرضنا ووطننا.

  محبتي تغشاكم جميعاً.. من مواطن ما زال يحلم بعودة "الثلاث سنوات" إلى حياته، ولو في وطنه.