الحمد لله رب العالمين.. أما بعد.. كثيرا ما تمر بنا أحداث تظهر عوار الغرب الذي لا ينفك من تلقين المسلمين دروسا في الحقوق والقيم الإنسانية، فالصمت أو التبرير الغربي لمثل هذه الأحداث كحرب اليـ ــهـ ـود على غزة على سبيل المثال قد كشف للعالم المنصف بجاحة وقبح حكومات الغرب ومؤسساته، وهذا مع وضوحه يستدعي منا الوقوف على أسباب هذه الأحداث لا مجرد الاكتفاء بالقول أن تلك الأحداث تمثل سلسلة غير منتهية من فضائح الغرب.. أقول: إن المستعرض لتاريخ الفكر الأوروبي مع ربط الأحداث بظهور الأفكار، حتى تلك التي كتب لها أن تكون مذاهبا متبعه؛ سيجد ضررورة أن ثمة عنصرا تشترك فيه تلك الأفكار ولو كانت متناقضة!
لقد كان لشيطنة الميتافيزيقا (ما وارء المحسوس) أثرا معرفيا في العقل الغربي، فقد أدت تلك الشيطنة للميتافيزيقا لهيمنة النموذج المعرفي المادي، ومن هنا صار هذا المكون المعرفي أحد أهم ما تستند إليه الأفكار في الغرب..
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة هذا بموضوع الحقوق الإنسانية؟؟
والجواب: أن المتأمل في حقوق الإنسان والأخلاق والمبادئ التي يفترض أن تكون ملزمة لبني الإنسان سيجد أنه لابد من كونها قيم مطلقة، فالإبادة أو انتهاك أعراض الأطفال لن يكون (جريمة) حتى يكون قيمة مطلقة، ومع النسبية سيكون ذلك جريمة في حق قوم دون قوم آخرين، ومن هنا ننتهي إلى نتيجة: أن الخلاص من الإنسان أو انتهاك حقوقة أحد أهم مكونات الفكر الغربي لأنه لا يعترف بأمر مطلق.
ربما يرى القارئ الكريم في كلامي قفزة غير مبررة أو مصادرة على المطلوب -على حد قول المناطقة- لكني سأزيد الأمر وضوحا بأن التفكير الأوروبي قد صار منتشيا بالثورة الصناعية والتي لازالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا، الأمر الذي فرض على التفكير تماهيا مع مبدأ التجربة والملاحظة في كل شي وهذه هي (سلطة العلموية) التي من أجلها ألغي الجانب الروحي الإنساني وصار الإنسان ما هو إلا كائن كسائر الموجودات (تشيوء الإنسان).
لقد أدرك عدد من رواد الفكر الأوروبي عواقب التفكير وفق هذا النموذج المادي وبينوا وخيم نتائجه ومن هؤلاء الفلاسفة: هوسرل في كتابه (أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية)، وهايدغر في كتابه (السؤال عن التقنية)، ماكس هوركهايمر في كتابه (خسوف العقل)، وتشارلز تايلور في كتابيه (مصادر الذات) و (عصر علماني)، وزيجمنوت باومان في عدد من مؤلفاته كـ (الحداثة السائلة) و(الحداثة والهولوكوست).
وعودا إلى قضية جيفري إبستين ومن ورائه فإن هذه الحادثة هي نتاج تفكير لا يمكن فصله عن السياق المعرفي (الإبستمولوجي) المادي (الغربي)، فإن المطلع على الآراء التي أدت إلى الانقلاب على المفاهيم المتعلقة بالنشاط الجنسي لدى الإنسان -أعني ما يقبل منه وما يمنع- سيجد أنها تبرر إلى حد كبير ممارسات تأنف الفطرة الإنسانية من تقبلها فبدأ من تحليل فرويد لغريزة الجنس التي هي أهم مكون نفسي عنده، ومرورا بأبحاث ألفريد كينزي الذي توصل إلى أن الجنس يستمتع به الإنسان في جميع مراحله العمرية ولو كان عمره أياما وإنما يختلف التعبير عن هذا الاستمتاع من مرحلة إلى أخرى!!، ووصولا إلى سيمون دي بوفوار رائدة الفكر النسوي، إلى شطب المثلية من قائمة الأمراض النفسية، إضافة للتغير الجذري للنظرة تجاه المازوخية واعتبارها تصرفا مقبولا عند التراضي!! (ينظر الدليل الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي). ختاما.. قد يكون ما أوردته فيه شيء من الإجمال ولعل المقصود يحصل بما ذكر، والله الهادي إلى سواء السبيل.
مقالات أخرى