محمد المحمدي
بدلًا عن "أُم العيال"

بالأمس، قررنا أنا وصديقاي فهد وعبد الرحمن أن نغامر في سوق المكلا، نشاهد الاستعدادات للعيد، ونتأكد بأعيننا أن الأسعار لم تعد ترتفع بل أصبحت تطير!، وبينما كنا نتجول بين المحلات، نستمتع بممارسة هوايتنا المفضلة – التحديق في الأسعار بذهول ثم المغادرة بدون شراء شيء – كان صديقنا فهد يخوض معركة شرسة من نوع آخر.

   الفرق الوحيد بيننا وبين فهد أنه متزوج، وهذا يعني أنه لا يتسوق فقط لنفسه، بل يؤدي مهمة وطنية مقدسة: التسوق نيابة عن “أم العيال”.

   نعم، لقد تحول من رجل ناضج مستقل إلى مراسل ميداني في معركة تحديد المشتريات.

   دخلنا احد المحلات التجارية، وبدأ فهد في استعراض مهاراته في التصوير الاحترافي – ليس لنشر الصور على إنستغرام، بل لإرسالها إلى وزارة الشؤون المنزلية ، كان يتحرك بتركيز شديد، يلتقط صورة لهذا الفستان، ثم للحذاء، ثم للحقيبة، ثم يعود لنفس الفستان ليتأكد أن الإضاءة مناسبة، ثم يعيد التصوير من زاوية أخرى… وكأننا في جلسة تصوير لعلامة تجارية فاخرة!

   بعد إرسال الدفعة الأولى من الصور، انتظر فهد الرد. لكن الرد لم يأتِ، جلس، ثم وقف، ثم مشى خطوتين، ثم نظر في هاتفه، ثم مشى عشر خطوات، ثم تنهد… كان من الواضح أن الرجل يمر بلحظة شك وجودي، وبعد خمس دقائق من الانتظار والقلق، وصل الرد أخيرًا: “مش واضح”. تجمد فهد في مكانه للحظات، ثم بدأ يعيد التصوير كما لو أن مستقبله المهني يعتمد على هذه اللقطات، التقط الصورة وأرسلها. انتظر.. فجاء رد آخر: “فيه لون تاني؟”.

  وهنا بدأنا نرى علامات الانهيار العصبي تظهر على وجه صديقنا المسكين،صار يتمتم بكلمات غير مفهومة، يسير بخطوات عشوائية، يحدّق في شاشة الهاتف وكأنه يحاول استيعاب نظرية فيزياء نووية.

  ثم فجأة، استدار نحونا، وصرخ بجملته الخالدة التي ستدخل التاريخ: “يا جماعة، أصعب شيء بالحياة إنك تتسوق بدل أم العيال!” انفجرنا ضحكًا، ولم نستطع التوقف؛ فقد كان فهد يجسد معاناة كل رجل وقع في هذا الفخ.

   نعم، التسوق بحد ذاته قد يكون ممتعًا، لكن أن تكون في موقع “المندوب الرسمي للزوجة” فهذا مستوى آخر من التحدي! أن تُرسل الصور وتنتظر الموافقة، ثم تأتيك الردود الغامضة مثل: “مش واضح”، أو “فيه لون تاني؟”، أو الأسوأ على الإطلاق: “ورِّني غيره”… هنا يبدأ الرجل في إعادة حساباته في الحياة.

  قررنا في النهاية المغادرة، بعد أن اقتنع فهد أن هذه ليست حياة، وأنه قد يفضل تسلق جبل إيفرست حافيًا على أن يعيد تجربة التسوق هذه. 

  تعلمنا درسًا ثمينًا ذلك اليوم: إذا كنت متزوجًا، فلا تحاول التسوق نيابة عن “أم العيال” التسوق قبل العيد مغامرة… لكن التسوق نيابة عن الزوجة؟ هذه مهمة مستحيلة!