
في كتابه "أخون وطني"، لم يكن محمد الماغوط – رحمه الله – يُريد لوطنه خيانةً حقيقية، بل سخِر بمرارة ليُسمع العرب سؤالًا ثقيلًا: حين يبلغ القسوةُ مبلغها، أليس من حَق المواطن أن يخون وطنًا لا يملك فيه بيتًا ولا قوت يوم؟
قال الماغوط ساخرًا من وجعه: "من الغباء أن أدافع عن وطن لا أملك فيه بيتًا أو قوت يومي"، "من الغباء أن أضحي بنفسي ليعيش أطفالي من بعدي مشرَّدين في أزقة المدينة."
"الوطن هو - حيب الماغوط ـ حيث تتوافر لي مقومات الحياة، لا أسباب الموت والهلاك." ورأى أن الانتماء أصبح "كذبة اخترعها الساسة وأصحاب السلطة وصنّاع الموت وتجار السلاح لتموت الشعوب من أجلها."
وأضاف: حين تُبتلي الأرض بالحرب، ينادون الفقراء والشرفاء والأبطال ليدافعوا عنها؛ وحين تنتهي الحرب، ينادون المسؤولين والجبناء من الخارج ليتقاسموا الغنائم والمناصب.
هنا أتوقف: هل أصبت أم أخفقت يا أستاذي؟ ربما أصبت في شيء، وأخفقت في آخر.
أصبت؛ لأننا في وطني الحبيب ( اليمن) عانينا ما عانينا، وحين ابتلينا بالحرب لم يُنادِ أحدٌ الفقراء ولا الشرفاء ولا الأبطال، بل هرعوا بأنفسهم إلى نداء الوطن دون انتظار طبول الحرب ان تُقرع..ومن به صممٌ يُسمع.
شبابٌ كانوا بالأمس يحملون الأقلام والكراسات، من فقراء الأرض وشرفاء المدينة وأبطال اليمن، دافعوا بدمائهم قبل أسلحتهم.
وحين وضعت الحرب أوزارها رأيتُ الحقيقة: نادوا سفراءها وتجارها ورجال أعمالها من خارج الوطن، وقُطّاع طرق من داخله، وتقاسموا السلطة والغنائم.
أما الذين دافعوا عن الوطن، فتقاسموا السجون والمقابر، والبقاء خلف أبواب موصدة.
لم تأتِ الخيانة من فقراء الوطن، بل من قياداته من الداخل. لذا أقولها ـ للماغوط وغيره ـ بلا تردد: لن أخون وطني، مهما ضاقت بي الحياة وقسوتها، سأبقى وفيًّا له، لأن الوطن ليس شخصًا، الوطن مساحةٌ لا تحدها حدود الخيانة، إلا مع الأعداء أو الأصدقاء أو الأشقاء.
الوطن مسكنٌ أبدي، تعيش فيه أو تموت من أجله.
عذرًا يا ماغوط... لستُ معك هذه المرة.
مقالات أخرى