
قراءة تحليلية موجزة لواقع يفتقر إلى الدولة ومؤسساتها:
إن ما يشهده اليمن اليوم من جرائم وحشية بحق الطفولة ليهتز لها الضمير الإنساني وتستنكرها الشرائع السماوية كافة.
وتعود جذور هذه الجرائم إلى تضافر عدة عوامل؛ منها النفسية والسلوكية كتعاطي المواد المخدرة، ومنها الأخلاقية كغياب الوازع الديني والإنساني، فضلاً عن النزعات الإجرامية لدى فئات تحولت إلى وحوش بشرية.
وكل هذه الأسباب تجد بيئة خصبة للنمو في ظل غياب دور الأسرة والانهيار شبه التام لمؤسسات الدولة. ورغم إدراكنا جميعاً أن حق الطفل في الحياة والحرية والسلامة الجسدية هو حق أصيل ومقدس لا يجوز المساس به إطلاقاً، إلا أنه وللأسف الشديد، عندما تغيب الدولة بأجهزتها الأمنية والقضائية والحقوقية، تؤول الأمور إلى هذه النتيجة الكارثية، حيث تُستباح الطفولة وتصبح عرضة لإشباع النزوات الدنيئة لهؤلاء المتوحشين.
ويمكننا إيجاز أبعاد هذه المأساة في النقاط التالية:
أولاً: القصور التشريعي في النص العقابي: يعاني التشريع الجنائي اليمني من جمود واضح، إذ يعود تاريخ آخر تعديل جوهري لقانون العقوبات إلى عام 1992، وهو زمن لم تكن فيه الجريمة قد بلغت هذا الحد من الجسارة والانتشار والتنوع في الأساليب ولم يواكب المشرع اليمني المتغيرات المتسارعة والواقع المعاش عبر سن تعديلات قانونية صارمة. لذا، بات من الضروري والمستعجل تعديل النصوص القانونية لتتضمن عقوبات رادعة (تتكامل مع مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء) لزجر كل من تسول له نفسه المساس بالطفولة البريئة.
ثانياً: تفشي المخدرات والسموم الرقمية: يعد تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية سبباً رئيساً وراء ارتكاب جرائم الاعتداء الجنسي والاغتصاب، حيث تذهب هذه السموم بالعقل وتُعدم الإدراك. يرافق ذلك التأثير الهادم لمشاهدة المواقع والمواد الإباحية التي تدفع المنحرفين سلوكياً إلى ارتكاب أفعال محرمة شرعاً ومجرمة قانوناً، مما يمثل انتهاكاً صارخاً لكل الشرائع والقيم الإنسانية.
ثالثاً: مخاطر تجنيد الأطفال: إن إقحام الأطفال في النزاعات المسلحة وتجنيدهم في المعسكرات، رغم الحظر القانوني والدولي الصارم لذلك، يرفع من وتيرة تعرضهم للاعتداءات والانتهاكات.
وقد فرضت الحرب ضغوطاً اقتصادية قاسية، من فقر مدقع وغياب للمؤسسات التعليمية، مما دفع بالكثير من الأطفال للالتحاق بالقوى العسكرية بحثاً عن لقمة العيش، دون إدراك منهم بأنهم سيتحولون إلى ضحايا لـ "وحوش بشرية" تتخفى خلف شعارات الوطن.
رابعاً: تصدع الكيان الأسري: غياب الدور التوجيهي والرقابي للأسرة يصنع طفلاً هَشاً وعرضة للافتراس. التنشئة السليمة وحماية الطفل ومنعه من الانخراط في سوق العمل قبل بلوغ السن القانونية هي مسؤولية أسرية بالدرجة الأولى. غير أن الحرب خلفت آلاف الأطفال بلا عائل، كما أن اتساع ظاهرة التفكك الأسري وحالات الطلاق والاضطرار للنزوح جعلت الأطفال الحلقة الأضعف والضحية الأبرز لجرائم الاغتصاب والاضطهاد.
خامساً: الاستخدام غير الآمن للتكنولوجيا: إن منح الأطفال هواتف ذكية دون رقابة، وبدافع "التدليل" أو مكافأتهم، ليس تشجيعاً بل هو فتح لباب الانحراف والمخاطر. سوء استخدام هذه الأجهزة في غياب الإشراف العائلي يعرض الطفل لابتزاز واصطياد من قبل فئات ضالة تستغل براءتهم.
سادساً: الإهمال وانشغال الآباء: يتعرض الأطفال أحياناً لإهمال شديد من قبل أولياء أمورهم؛ تارة نتيجة الجهل وقلة الوعي، وتارة بسبب الانشغال التام بظروف المعيشة القاسية. هذا الغياب للرعاية يجعل الطفل تائهاً في بيئة غير آمنة وسهلاً للاستدراج والانحراف.
سابعاً: ظاهرة التسول والتشرد: لقد أنتجت الحروب والصراعات أسوأ أزمة إنسانية، وكان المجتمع هو وقودها الأول.
دفع الفقر والعوز آلاف الأطفال إلى رصيف الشوارع ليمارسوا التسول؛ وهي لغة تعني التشريد والضياع الحتمي، وتجعلهم صيداً سهلاً للاعتداء والانحراف من قبل ضعاف النفوس ومرضى القلوب
مقالات أخرى